الشنقيطي

347

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

كما أن النذير من أقام الحجة ، فمن لم يأت بحجة فليس بنذير . فما لا شك فيه أن هذا الإنذار المذكور في قوله وَلِيُنْذِرُوا ، والتحذير من مخالفته في قوله : لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ( 122 ) ليس برأي ولا اجتهاد . وإنما هو إنذار بالوحي ممن تفقه في الدين ، وصار ينذر بما علمه من الدين ، كما يدل عليه قوله تعالى قبله لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ [ التوبة : 122 ] ، فهو يدل على أن قوله : وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ [ التوبة : 122 ] أي بما تفقهوا فيه من الدين . وليس التفقه في الدين إلا علم كتاب اللّه وسنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلم . فتبين أن الآية لا دليل فيها البتة لطائفة التقليد ، الذين يوجبون تقليد إمام بعينه ، من غير أن يرد من أقواله شيء ، ولا يؤخذ من أقوال غيره شيء . ونجعل أقواله عيارا لكتاب اللّه وسنة رسوله فما وافق أقواله منهما قبل وما لم يوافقها منهما رد . وهذا النوع من التقليد لا شك في بطلانه ، وعدم جوازه . فالآية الكريمة بعيدة كل البعد من الدلالة عليه ، مع أن استدلال المقلدين بها على تقليدهم استدلال بشيء يعتقدون أن الاستدلال به ممنوع باتا ، لأنه استدلال بقرآن . وأما قبول إنذارهم فهو من الاتباع لا من التقليد ، كما سيأتي إيضاحه إن شاء اللّه . وأما استدلالهم بأن ابن الزبير ، قال ما يدل على تقليده لأبي بكر الصديق رضي اللّه عنه في أن الجد يحجب الإخوة ، فهو ظاهر السقوط أيضا . وقد قدمنا مرارا في رد استدلالهم بتقليد الصحابة بعضهم بعضا ما يكفي ، فأغنى عن إعادته هنا . وأما استدلالهم بقبول شهادة الشاهد في الحقوق . قائلين : إن قبول شهادته فيما شهد به تقليد له ، فهو ظاهر السقوط لظهور الفرق بينه وبين ما استدلوا عليه به . من تقليد رجل واحد بعينه ، بحيث لا يترك من أقواله شيء ولا يؤخذ مما خالفها شيء ، ولو كان كتابا أو سنة . وذلك من وجهين . أحدهما : أن العمل بشهادة الشاهد أخذ بكتاب اللّه وسنة رسوله ، لأن اللّه يقول : وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [ الطلاق : 2 ] ويقول : وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ [ البقرة : 282 ] إلى غير ذلك من الآيات .